أبي حيان الأندلسي
499
البحر المحيط في التفسير
بيت واحد خاص يعم جميع بيوته . و إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ ، قال الزمخشري : إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ في معنى الظرف تقديره : وقت أن يؤذن لكم ، و غَيْرَ ناظِرِينَ : حال من لا تَدْخُلُوا ، أوقع الاستثناء على الوقت والحال معا ، كأنه قيل : لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن ، ولا تدخلوها إلا غير ناظرين إناه . انتهى . فقوله : إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ في معنى الظرف وتقديره : وقت أن يؤذن لكم ، وأنه أوقع الاستثناء على الوقت فليس بصحيح ، وقد نصوا على أن أن المصدرية لا تكون في معنى الظرف . تقول : أجيئك صياح الديك وقدوم الحاج ، ولا يجوز : أجيئك أن يصيح الديك ولا أن يقدم الحاج . وأما أن الاستثناء وقع على الوقت والحال معا ، فلا يجوز على مذهب الجمهور ، ولا يقع بعد إلا في الاستثناء إلا المستثنى ، أو المستثنى منه ، أو صفة المستثنى منه : وأجاز الأخفش والكسائي ذلك في الحال ، أجازا : ما ذهب القوم إلا يوم الجمعة راحلين عنا ، فيجوز ما قاله الزمخشري في الحال . وأما قوله : إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ ، فلا يتعين أن يكون ظرفا ، لأنه يكون التقدير : إلا بأن يؤذن لكم ، فتكون الباء للسببية ، كقوله : فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ « 1 » ، أو للحال ، أي مصحوبين بالإذن . وأما غَيْرَ ناظِرِينَ ، كما قرر في قوله : بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ * « 2 » . أرسلناهم بالبينات والزبر ، دل عليه لا تَدْخُلُوا ، كما دل عليه أرسلناهم قوله : وما أرسلنا . ومعنى غَيْرَ ناظِرِينَ فحال ، والعامل فيه محذوف تقديره : ادخلوا بالإذن غير ناظرين . كما قرر في قوله : بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ * ، أي غير منتظرين وقته ، أي وقت استوائه وتهيئته . وقرأ الجمهور : غَيْرَ بالنصب على الحال ؛ وابن أبي عبلة : بالكسر ، صفة لطعام . قال الزمخشري : وليس بالوجه ، لأنه جرى على غير من هو له ، فمن حق ضمير ما هو له أن يبرز من إلى اللفظ ، فيقال : غير ناظرين إناه أنتم ، كقوله : هند زيد ضاربته هي . انتهى . وحذف هذا الضمير جائز عند الكوفيين إذا لم يلبس وأنى الطعام إدراكه ، يقال : أنى الطعام أنى ، كقوله : قلاه قلى ، وقيل : وقته ، أي غير ناظرين ساعة أكله . وقرأ الجمهور : إناه مفردا ؛ والأعمش : إناءه ، بمدة بعد النون . ورتب تعالى الدخول على أن يدعوا ، فلا يقدمون عليه الدخول حين يدعوا ، ثم أمر بالاستثناء إذا طعموا . وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ : معطوف على ناظِرِينَ ، فهو مجرور أو معطوف على غَيْرَ ، فهو منصوب ، أي لا تدخلوها لا ناظرين ولا مستأنسين . وقيل : ثم حال محذوفة ، أي لا تدخلوها أجمعين ولا مستأنسين ، فيعطف عليه . واللام في لِحَدِيثٍ إما لام العلة ، نهوا أن يطيلوا الجلوس يستأنس
--> ( 1 ) سورة الأعراف : 7 / 57 . ( 2 ) سورة آل عمران : 3 / 184 ، وسورة النحل : 16 / 44 .